تغيرت الدولة أم تغيرنا نحن الأردنيين؟
تتساءل مقالة عن أسباب الإحباط العام، وتقارن بين صعوبات الماضي وإنجازاته، وبين وفرة الحاضر وتراجعه، داعية إلى استعادة الثقة والعمل.

في سياق محاولات بعض النخب إدامة حالة من التشاؤم، يستدعون الماضي الجميل لترسيخ الإحباط ورفض الواقع، ويزيدون من الشحن السلبي لدى المواطنين. لكن يبقى السؤال: هل كانت ظروفنا في الماضي أفضل فعلاً؟ وهل تغيرت الدولة بإداراتها وخدماتها، أم أننا نحن الأردنيين من تغيرنا؟
تكفي قصة واحدة للتوضيح: في نهاية السبعينيات، كان أبناء جيلي من قرية المقارعية يذهبون مشياً إلى المدرسة الثانوية الوحيدة في قضاء الشوبك، الذي أصبح لواءً اليوم. لم تكن هناك وسائل نقل عامة، وكانت المسافة عبر الطريق الجبلية الوعرة 24 كيلومتراً يومياً ذهاباً وإياباً. لم تكن الكهرباء قد وصلت بعد، ولا شبكات المياه، فكانت النساء يحملن الماء من العيون على رؤوسهن أو على الدواب.
كانت العيادة الوحيدة في القرية يعمل بها ممرض حصل على دورة تمريض، بينما كان الطبيب يزورها مرة في الأسبوع أحياناً. وكان أعلى راتب يتقاضاه الموظف أو المتقاعد لا يتجاوز 50 ديناراً، وكانوا بالكاد يدبرون معيشتهم من الزراعة. بعد العودة من المدرسة عصراً، تنتظرك أعمال الحقل، ثم تدرس في الليل على ضوء سراج الكاز، وقد لا تجد في جيبك شلناً للمصروف.
المفاجأة أن زملاء صفي في التوجيهي حصلوا على أعلى المعدلات رغم غياب مدرسي الإنجليزية والعربية، وحصلت أنا على المرتبة الأولى على المحافظة. ربما كان الماضي جميلاً، لكنه كان صعباً جداً. تخيل لو أننا استغرقنا في التذمر والإحباط والشكوى، وحملنا الدولة مسؤولية كل شيء، وقعدنا عن العمل والطموح، لكانت النتيجة مزيداً من الفشل والبؤس، وستتوزع الخسارة على الدولة والمجتمع معاً.
إعلان
نعم، كان الماضي جميلاً لأننا شمرنا عن سواعدنا، والتصقنا بالأرض، واعتمدنا على أنفسنا، ولم نلقِ باللوم على الحكومات والإدارات العامة. لم نكن غارقين في الاعتمادية على الآخرين وتبادل الاتهامات، ولم تكن هناك نخب وإدارات فاشلة تتاجر بآلامنا وتستهين بمقدراتنا، وتصرخ فينا لنكفر ببلدنا أو نغمض أعيننا عن إنجازاته وتحدياته.
المهم الآن أن نفكر كيف يكون واقعنا أفضل. يمكننا أن ننظر إلى الماضي لنستلهم منه درس العمل والحركة والقناعة والانتماء، لا لنعيش في الحنين والمقارنات المغشوشة. يجب أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا ودولتنا، ونتخلص من حالة السواد التي تلبستنا، فلا خيار أمامنا إلا الخروج مما نحن فيه بهمتنا فقط.
صدقوني، ظروف حياتنا الآن أفضل: التعليم والصحة والنقل والخدمات، وحتى المياه على ندرتها أفضل. نحتاج فقط إلى أن نكون منصفين، وأن ننظر إلى بلدنا بعين المحب لا الساخط، وإلى إداراتنا العامة بنقد منتج لا بالشتائم، وأن نحافظ على النعمة كي لا تزول من بين أيدينا.
ويبقى السؤال: متى كانت ظروفنا أفضل؟ فتشوا في معادلة الرضا والسخط ومن يقف وراءهما، فهما مفتاح لفك اللغز الذي ضيعناه، فانسدت في وجوهنا الأبواب، ولا نزال نبحث عنه ولم نجده.
المصدر: رؤيا
إعلان
أخبار ذات صلة

محليات
المستقلة للانتخاب تختتم برنامج المعهد السياسي الثاني للشباب الحزبي

اقتصاد
1183 طلب ترخيص استقبلتها هيئة الطاقة في تموز ورفض 5 منها

محليات
تقرير حكومي: 86% من الخدمات الحكومية رقمية ورضا المواطنين 85%

محليات
الإفتاء الأردنية: التوصية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائزة شرعًا

محليات
إطلاق خدمة طلب إصدار الجواز الإلكتروني في 4 مراكز حكومية

محليات
الأحوال المدنية الأردنية تمدد دوام السبت لتسهيل معاملات المواطنين
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
