بعد ربع قرن على 11 سبتمبر: دروس الاستخبارات وفرص ضائعة غيّرت مسار العالم
مراجعة شاملة لاثنين وعشرين عاماً من الإخفاقات والنجاحات الاستخباراتية بعد أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة، من أفغانستان إلى صعود الصين وروسيا.

شكّلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 نقطة تحوّل جذرية في مسار السياسة الخارجية والأمن والاستخبارات على مدى العقدين الأولين من القرن الحالي. ففي ذلك اليوم، لقي 2977 شخصاً حتفهم، بينما كان طيارو تنظيم القاعدة الانتحاريون يوجّهون طائرات مختطفة نحو مركز التجارة العالمي. ويروي مراسل الشؤون الأمنية فرانك غاردنر أنه كان حينها في ختام مهمة عمل في مكتب الشرق الأوسط، إذ نقله سائق سيارة أجرة فلسطيني عبر تلال القدس الغربية إلى مطار بن غوريون، قبل أن يرفع السائق صوت المذياع ويقول: "حدث أمر كبير في أمريكا".
لم تنشأ الهجمات في فراغ، إذ كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تعرف شبكة القاعدة وزعيمها السعودي المنفي أسامة بن لادن منذ سنوات، بل خصصت فرقة عمل لتعقّبه. وبعد تسعة أيام من الهجمات، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن "الحرب على الإرهاب". وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين التالية، تباينت النتائج بين نجاحات في إحباط مخططات وتوقيف مشتبهين ومحاكمتهم وإدانتهم، وإخفاقات استخباراتية متكررة.
يُجمع تقرير لجنة 11 سبتمبر الذي صدر لاحقاً على أن الحكومة الأمريكية تتحمل مسؤولية "إخفاقات في التصور، والسياسات، والقدرات، والإدارة"، وأن وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي أخفقا في التقييم السليم للمعلومات وتبادلها واتخاذ خطوات كافية لتعطيل المخطط. ومنذ ذلك الحين، تحسّن تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات الغربية، وتبددت خصومات قديمة بين جهاز الأمن الداخلي البريطاني وشرطة مكافحة الإرهاب عبر "مراكز الدمج" الإقليمية، ثم عبر مركز عمليات مكافحة الإرهاب شديد الحماية في لندن. كما أُعيد تنظيم أجهزة الاستخبارات الأمريكية جذرياً، وأُنشئ مركز وطني لمكافحة الإرهاب خارج واشنطن، وعُيّن مدير للاستخبارات الوطنية لضمان التنسيق بين ثماني عشرة وكالة مستقلة.
غير أن الإخفاقات الكارثية لم تتوقف عند هذا الحد. فقبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، سمح جهاز الاستخبارات السرية البريطاني بتسييس معلوماته، مما ألحق به أسوأ انتكاسة لسمعته منذ خيانة العميل المزدوج كيم فيلبي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتحت ضغوط واشنطن لإثبات امتلاك صدام حسين "أسلحة دمار شامل"، زوّد الجهاز حكومة توني بلير بمعلومات تبيّن أنها معيبة، مع أن العراق كان يمتلك هذه الأسلحة فعلاً في الماضي لكنها دُمّرت بالكامل بعد حرب الخليج عام 1991. ويقول الجنرال السير ريتشارد شيريف، الذي خدم قائداً لفرقة في العراق: "استندت حرب العراق (عام 2003) إلى معلومات استخباراتية معيبة بصورة كبيرة. هل تعلّمنا منها؟ لا، أعتقد أننا سيئون في التعلم، كان من الواضح جداً، بوصفي قائداً، أننا كنا نتجه نحو إخفاق استراتيجي".
إعلان
خلصت "مراجعة بتلر" التي أُجريت بعد الغزو إلى أن المعلومات الاستخباراتية البريطانية حول برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقي المزعوم "كانت معيبة بصورة خطيرة وتعتمد اعتماداً كبيراً على مصادر لم يجر التحقق منها". وفي بريطانيا أيضاً، عرف جهاز الأمن الداخلي "إم آي 5" إخفاقات خاصة إلى جانب نجاحات عديدة، إذ يقول اللورد جوناثان إيفانز، الذي ترأسه من 2007 إلى 2013، إن التقييم بعد 11 سبتمبر كان أن التهديد الأكثر إلحاحاً للمملكة المتحدة كان الإرهاب الذي يشكله تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به. لكن مع قاعدة بيانات تضم أكثر من 20 ألف "شخص موضع اهتمام"، لم يكن الجهاز يصيب دائماً في تحديد أولويات التحقيق، إذ أخفق في منع تفجيرات لندن في 7 يوليو/تموز 2005 التي قتلت 52 شخصاً، وكان على علم بمحمد صديق خان زعيم الجماعة دون أن يعرف ما كان يوشك على تنفيذه، كما كان تفجير مانشستر أرينا عام 2017 إخفاقاً أحدث.
في أعقاب الهجمات مباشرة، ساد خوف واسع من موجة ثانية، بعدما توعد تنظيم القاعدة بـ"سرب من الطائرات" لاستهداف مزيد من المباني. وفي اندفاع لاستباق ذلك، ارتكبت الولايات المتحدة وحلفاؤها انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، إذ أُلقي القبض على مشتبهين في أفغانستان وباكستان استناداً غالباً إلى معلومات أولية واهية، ونُقل مئات الأشخاص مقيدين ومعصوبي الأعين جواً إلى سجن مؤقت أشبه بقفص في قاعدة غوانتانامو بكوبا حيث احتُجزوا دون محاكمة، وهو ما وصفته جماعات حقوق الإنسان بأنه وصمة عار على الضمير الأخلاقي الأمريكي. وتكشفت تباعاً فضائح إساءة معاملة سجناء في العراق وأفغانستان، وأُخضع بعض المتورطين للمساءلة، لكن المنتقدين يقولون إن شخصيات أكثر رفعة نجت من العواقب، ولا تزال الولايات المتحدة تمارس الاحتجاز دون محاكمة في غوانتانامو، كما رحّلت أكثر من 200 رجل إلى مركز احتجاز مثير للجدل في السلفادور عام 2025. وفي بريطانيا، تورط جهاز "إم آي 6" عام 2004 في اختطاف الإسلامي الليبي عبد الحكيم بلحاج وزوجته من تايلاند إلى ليبيا، حيث قضى سنوات في السجن وتعرض للتعذيب على يد نظام القذافي، قبل أن تنكشف القضية ويقدم المدعي العام اعتذاراً علنياً كاملاً أمام البرلمان عام 2018.
يقول السير أليكس يونغر، الذي ترأس جهاز الاستخبارات السرية من 2014 إلى 2020: "قضينا السنوات العشرين الأولى من القرن الجاري نركز بصورة شبه كاملة على مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد"، مضيفاً: "أغفلنا صعود الصين كقوة عسكرية وكتهديد استراتيجي". وبينما كانت الدول الغربية منشغلة بقتال طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية أو بالتعامل مع احتلال العراق، شرعت روسيا والصين في برامج ضخمة لإعادة التسلح تضمنت صواريخ فرط صوتية، مما قوّض التفوق العسكري لحلف شمال الأطلسي. ويوافق سام أولسن، كبير المحللين في مؤسسة "سيبيلين"، قائلاً: "لم يكن خطأ الغرب يتمثل ببساطة في أنه انصرف إلى مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر/أيلول، بل إنه أخطأ أيضاً في فهم طبيعة صعود الصين، إذ افترض أن التكامل الاقتصادي سيؤدي إلى تقارب سياسي".
تُعد الصين، شأنها شأن إيران وروسيا وكوريا الشمالية، "هدفاً صعباً" استخباراتياً، ففي عام 2001 كانت البيانات البيومترية في مرحلة مبكرة، لكن تقنيات التعرف على الوجه وقزحية العين وطريقة المشي زادت لاحقاً من تعقيد مهمة العملاء في عبور الحدود دون اكتشافهم. ويقول أولسن: "تمتلك الاستخبارات الغربية فهماً واسعاً للصين. بيد أن الخطر الأكبر يتمثل في أنها ترى قطعاً منفردة من الصورة، من دون أن تدرك دائماً ما الذي تشكله هذه القطع بعد تجميعها"، مضيفاً: "لم تعد قوة الصين مقتصرة على السفن والصواريخ والقوات، وإنما باتت تكمن بصورة متزايدة في أشباه الموصلات، والمعادن الحيوية، والبطاريات، والموانئ، والاتصالات، والقدرة الصناعية، ومن ثم، فإن المشكلة غالباً لا تكمن في قصور جمع المعلومات الاستخباراتية، بقدر ما تكمن في قصور تفسيرها على المستوى الاستراتيجي".
في يوم الهجمات قبل خمسة وعشرين عاماً، كانت لدى الاستخبارات الأمريكية قطع من أحجية الصورة، لكنها أخفقت في تجميعها ورؤية ما كان يقترب بوضوح، فلا قيمة لقدرة كبيرة على جمع المعلومات إن لم تُوظَّف لتحقيق مكاسب استراتيجية. وقد تغيّر عالم الاستخبارات ومكافحة الإرهاب خلال ربع القرن التالي إلى درجة تكاد تجعله غير قابل للتعرف عليه، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية سيواصل التحول بوتيرة متسارعة. لكن الغرب لا يحتكر الإخفاقات، إذ يُستشهد بالغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وما وصفه البعض بأنه "11 سبتمبر" إسرائيلي في إشارة إلى هجوم حماس من غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تظل أسئلة كبرى مطروحة: هل كان صواباً انضمام بريطانيا إلى غزو العراق، وهل كان صواباً مشاركتها في عملية "الحرية الدائمة" بأفغانستان ثم التخلي عن البلاد لطالبان بعد عقدين؟
المصدر: BBC عربي
إعلان
أخبار ذات صلة

عربي ودولي
ترامب يصف إيران بـ«الراعي الأول للإرهاب» ويجدد رفض بلاده حصولها على سلاح نووي

عربي ودولي
بعد سنوات من الجدل.. القضاء يدرج الطبيبة سنيها آن فيليب ضمن ضحايا 11 سبتمبر

عربي ودولي
ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر: تحولات كبرى في المنطقة والعالم

منوعات
ذاكرة أحداث 11 سبتمبر: لماذا قد تخوننا في التفاصيل؟

عربي ودولي
أدلة جديدة تكشف لقاءات عمر البيومي مع قيادي بالقاعدة ومسؤولين سعوديين قبل 11 سبتمبر

عربي ودولي
فيديوهات جديدة تكشف صلات الرجل السعودي في دعوى 11 سبتمبر بمسؤولين وقادة متطرفين
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
