الأحد، ٦ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

عربي ودولي

البحر الميت ليس "ميتاً تماماً": كيف نشأ ولماذا يواجه خطر الانحسار؟

يُعد البحر الميت من أكثر المعالم الطبيعية تفرّداً في العالم، لكنه يواجه اليوم خطر الانحسار المتسارع لمياهه، مما يهدد المنطقة وسكانها. تعرف على تاريخه الجيولوجي وأسباب تراجعه.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: BBC عربي
البحر الميت ليس "ميتاً تماماً": كيف نشأ ولماذا يواجه خطر الانحسار؟
المصدر: صورة: David Shankbone — رخصة CC BY-SA 3.0 (ويكي بيانات)

يُعتبر البحر الميت واحداً من أكثر المعالم الطبيعية والجيولوجية تميزاً في العالم، فهو في حقيقته بحيرة شديدة الملوحة تقع في أعمق بقاع الأرض. تشكل هذا المسطح المائي على مدى ملايين السنين نتيجة تحولات جيولوجية ومناخية عميقة، لكنه اليوم يواجه تحدياً خطيراً يتمثل في الانحسار المتسارع لمياهه، مما أدى إلى ظهور مخاطر بيئية وجيولوجية تهدد المنطقة وسكانها.

في متحف البحر الميت الواقع على قمة جبلية تطل على المنطقة، يمكن للزائر التعرف على تاريخ هذه البحيرة الفريدة من خلال معروضات متنوعة. تشرح هذه المعروضات كيف تكون البحر الميت عبر حركة الصفائح القارية، حيث انفصلت قارة إفريقيا عن شبه الجزيرة العربية قبل حوالي 15 مليون سنة، مشكلةً ما يعرف بـ"الصدع"، الذي اتسع ليدخل مياه البحر الأحمر ويغمر مناطق في غور الأردن.

من أقدم البحيرات التي سبقت البحر الميت "بحيرة أصدم"، التي كانت شديدة الملوحة ولا تسمح للأسماك بالعيش فيها، لكن الجيولوجيين عثروا على نوع معين من الأسماك في ترسباتها يدل على اتصالها بالبحر الأبيض المتوسط. كما تشكلت "بحيرة الشاغور" و"بحيرة السمرة" و"بحيرة اللسان" التي كانت بطول 225 كيلومتراً، لكنها جفت وانقسمت إلى ثلاث بحيرات أصغر قبل حوالي 15 ألف سنة، وهي بحيرة طبريا وبحيرة بيسان والبحر الميت.

يتميز البحر الميت بتركيبته الكيميائية الفريدة، حيث تراكمت فيه أملاح غير مألوفة آتية من ينابيع عميقة في باطنه، وبسبب التبخر الشديد، تبقى الأملاح في البحر بينما تغادر المياه. أما عن أسباب انحسار منسوب مياهه، فيرى زيد السوالقة، الرئيس التنفيذي لجمعية أصدقاء البحر الميت، أن التغير المناخي ليس السبب الرئيسي، بل تحويل مجرى نهر الأردن عن مساره الطبيعي، حيث كان يصب ما معدله مليار و400 مليون متر مكعب سنوياً من المياه، والآن لا يصل سوى 7 في المئة من هذه المياه.

إعلان

كما تم إغلاق المصبات الفرعية مثل وادي الموجب وزرقاء ماعين ومخيرس وعين جدي لاستخدامها في مشروعات تحلية المياه على ضفتي البحر الميت. ويوضح السوالقة أن البحر الميت بدأ بخسارة ربع متر من مستوى المياه سنوياً في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، ليصل إلى خسارة متر ونصف سنوياً حالياً، معتمداً على أمطار شحيحة وتبخر دون تعويض. ويضيف أن الصناعات التعدينية على جانبي البحر ساهمت بشكل كبير في استنزاف مياهه، خاصة في المناطق الجنوبية.

من أبرز مخاطر انحسار مياه البحر الميت تشكل "الحفر الغاطسة" في المناطق المحيطة به، وهي حفر تحدث في الأرض بأشكال وأحجام مختلفة قد تصل إلى عشرات الأمتار المربعة وبعمق يصل إلى 25 متراً. تتكون هذه الحفر بسبب ري الخضراوات بالمياه العذبة التي تذيب الأملاح في التربة الرملية، مما يجعلها هشة وتنهار لتشكل حفراً غير ظاهرة للعيان بسبب قشرة رقيقة من التراب تغطيها، ويمكن أن تنهار عند مرور أي شخص فوقها.

يحذر السوالقة من خطر هذه الحفر على السكان والمارة، مؤكداً أن أي تسريب للمياه العذبة على هذه التربة شديدة الملوحة يؤدي إلى تكوين حفر يصل عمقها إلى 30 أو حتى 40 متراً. وبخصوص مستقبل البحر الميت، فقد تقلصت مساحته من حوالي 950 كيلومتراً مربعاً قبل مئة عام إلى حوالي 600 كيلومتر مربع حالياً، وإذا استمر شح المياه على المعدلات الحالية، فقد ينخفض منسوبه بمقدار ثمانين متراً إضافياً بحلول عام 2400، ليصبح أقل بـ 500 متر عن منسوب بحار العالم، ويبقى فقط ثلثا مياهه الحالية.

رغم الانحسار، يؤكد السوالقة أنه لا توجد دراسات كافية تثبت أن البحر الميت سيختفي تماماً، ويدعو إلى صب فائض المياه من عمليات التحلية فيه لمحاولة إنقاذه. وعلى الرغم من ملوحته العالية التي تمنع الأسماك من العيش فيه، توجد 12 نوعاً من الأحياء الدقيقة التي تستطيع العيش في المياه شديدة الملوحة، وتظهر على شكل خطوط حمراء اللون بطول 50 إلى 100 متر، ويطلق عليها العلماء اسم "محبات الملح"، وهي مهمة لفهم كيفية تأقلم الأحياء مع الظروف الصعبة.

وهكذا يثبت البحر الميت، رغم قسوة بيئته، أن الحياة قد تجد طريقها حتى في أكثر الأماكن ملوحة على وجه الأرض.

المصدر: BBC عربي

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.