الثلاثاء، ٨ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

محليات

تقاليد البرلمان الأردني بين هيبة المؤسسة وضجيج الإعلام

يتناول المقال أهمية الحفاظ على تقاليد المجلس النيابي الأردني، محذرًا من تحول القبة إلى مسرح للصراخ والاستعراض، ومؤكدًا أن المؤسسات تبقى بينما يغادر الأشخاص.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: رؤيا
تقاليد البرلمان الأردني بين هيبة المؤسسة وضجيج الإعلام
المصدر: رؤيا

تُختصر مؤسسة بأكملها في عبارة "تحت القبة"، إذ لا يحتاج المرء إلى توضيح أي قبة يُقصد؛ فقد أصبح المبنى رمزًا لمجلسي النواب والأعيان، وبات المجلس من أكثر الأماكن ارتباطًا بصورة الدولة في الوعي الجمعي. غير أن القبة ليست مجرد سقف أو خلفية للصور الرسمية، بل هي ذاكرة سياسية متراكمة عبر عقود من التشريع والرقابة والمساءلة، شهدت تبدل الحكومات والمجالس والوجوه، وبقيت شاهدًا على أن الأشخاص يغادرون بينما تبقى المؤسسات.

الحديث عن تقاليد القبة لا يعني الحنين إلى الماضي أو تحويل البرلمان إلى كيان جامد؛ فالتقاليد التي تستحق الحماية هي التي راكمت هيبة المجلس ونظمت الاختلاف داخله، وأبقت الخصومة السياسية تحت سقف المؤسسة لا خارجها. أما تحويل القبة إلى فضاء للضجيج والمشادات والاستعراض، بحجة الجرأة أو التجديد، فهو استنزاف لهيبة مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للدولة.

يمتلك البرلمان الأردني ذاكرة أقدم من مبناه الحالي؛ فالمبنى القديم في جبل عمان ارتبط بمرحلة تأسيسية من تاريخ الدولة، واحتضن الحياة البرلمانية المبكرة، وشهد إعلان الاستقلال في 25 أيار (مايو) 1946، قبل أن يتحول لاحقًا إلى متحف. وعند انتقال المؤسسة إلى مبنى العبدلي عام 1980، لم يكن مجرد تغيير عنوان، بل إضافة طبقة جديدة إلى الذاكرة السياسية، فالقبة تحمل دلالات معمارية تستحضر القدس وقبة الصخرة، وما تمثله المقدسات من مكانة في ظل الوصاية الهاشمية.

يحكي المقال حكاية عن رئيس مجلس أعيان سابق، سُئل عن سبب عدم خروجه من الباب الخلفي لرئيس الوزراء، فأجاب أن هذا الباب مخصص للحكومة، وأن احترام هذه التقاليد جزء من أبجديات العمل المؤسسي. هذه التفاصيل الصغيرة تعكس أن المؤسسات لا تُدار بالقوانين وحدها، بل بالأعراف المتراكمة التي تشكل احترام الدولة لنفسها، وهي وإن لم تكن في النصوص الدستورية، إلا أنها حاضرة في الثقافة السياسية.

إعلان

في السنوات الأخيرة، أصبح لوسائل التواصل الاجتماعي حضور في المشهد النيابي، وهو أمر طبيعي في عصر الإعلام، لكن المشكلة تبدأ عندما تنقلب المعادلة: عندما يُصمم السؤال للكاميرا قبل الحكومة، وتصبح المشادة أهم من مضمون الجلسة، والمقاطعة وسيلة لصناعة مقطع قصير، والترند معيارًا للحضور. هنا لا يكون البرلمان قد دخل عصر الإعلام، بل يكون الإعلام قد بدأ يعيد تشكيل البرلمان، فالكاميرا يجب أن تنقل السياسة لا أن تضع أجندتها.

الدفاع عن تقاليد البرلمان لا يعني رفض التطوير؛ فالمؤسسة النيابية تحتاج إلى تحديث أدوات الرقابة وتوسيع العمل الحزبي والاتصال بالمجتمع، لكن التطوير لا يعني نسف التراكم. فالتقاليد البرلمانية هي حصيلة خبرة في إدارة الاختلاف: أن يستمع النائب لزميله، وأن ينتظر دوره في الكلام، وأن ينتقد الوزير دون إهانة، وأن تعارض الحكومة دون خصومة مع الدولة، وأن تحفظ الأغلبية حق الأقلية. هذه ليست شكليات بل قواعد اللعبة الديمقراطية.

النائب الذي يمتلك ملفًا قويًا لا يحتاج إلى رفع صوته؛ فالسؤال المدروس أقوى من الصراخ، والوثيقة أقوى من الاتهام، والرقم أقوى من الانفعال، والبديل السياسي أقوى من المشادة. القوة النيابية لا تقاس بعدد المقاطعات أو حجم الضجيج، بل بما ينتزعه النائب من إجابات، وما يغيره من سياسات، وما يمنعه من قرارات خاطئة. والمواطن لا يدفع ثمن ارتفاع الصوت، بل ثمن القانون الذي يصدر، والحكومة أيضًا ليست خارج المعادلة: وجود الوزراء تحت القبة هو جوهر المساءلة.

النائب يجلس على المقعد لكنه لا يملكه؛ فسيجلس عليه آخر بعد انتهاء الدورة، وستبقى المؤسسة. النيابة ليست ملكية سياسية، والموقع العام ليس امتيازًا شخصيًا، والسلطة ليست غنيمة، بل تكليف مؤقت باسم ناخبين تعود إليهم نتائج العمل. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتصرف النائب وكأنه أكبر من المؤسسة، فلا أحد أكبر من القبة أو الدستور أو الدولة. القبة تعني أكثر للذين لا يدخلونها: العامل والطالب والمزارع والمتقاعد والأسرة، فالقرارات الصادرة عنها تذهب إلى البيوت والأسواق.

المطلوب ليس برلمانًا صامتًا ولا صاخبًا لمجرد الصخب، بل برلمانًا قادرًا على إدارة الاختلاف، يعرف متى يصطدم بالحكومة ومتى يبحث عن حل، يقول "لا" دون فوضى، و"نعم" دون تبعية. الديمقراطية ليست إلغاء الخصومة السياسية بل ترويضها داخل المؤسسة. بعد أكثر من أربعة عقود، بقيت القبة شاهدًا على التاريخ السياسي الأردني، وعلى من يدخلها أن يسأل نفسه: هل سيبقى موقفي محترمًا بعد مغادرتي؟ فالقبة لا تحتاج إلى من يقدسها بل إلى من يحترم معناها، والحفاظ على تقاليدها دفاع عن فكرة أن تبقى الدولة أكبر من الأشخاص، والبرلمان مؤسسة لا مسرحًا.

في النهاية، السؤال ليس كيف تبدو القبة من الخارج، بل هل يليق ما يجري تحتها بتاريخها؟ القبة شهدت كثيرين وسيأتي بعدها كثيرون، وستبقى شاهدة على الجميع، وهنا تصبح العمارة سياسة، ويصبح الحفاظ على التقاليد دفاعًا عن فكرة أكبر من الحجر: أن يبقى الاختلاف السياسي تحت سقف يجمع الأردنيين.

المصدر: رؤيا

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.

تقاليد البرلمان الأردني بين هيبة المؤسسة وضجيج الإعلام | العنوان الإخباري