الأردن يعزز مخزونه الاستراتيجي من الغذاء في ظل اضطرابات الأسواق العالمية
توجيهات ملكية بتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتقرير حكومي يظهر كفاية القمح 9.6 أشهر والشعير 9.5 أشهر، مع دعوات للانتقال من قياس الكميات إلى قياس الجاهزية.

في خطوة تعكس استجابة سريعة للتوجيهات الملكية، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة والتموين تقريرها حول كفاية المخزون الاستراتيجي في الرابع من الشهر الجاري. ويأتي هذا الإجراء في وقت يشهد فيه العالم تقلبات مناخية حادة تؤثر على الإنتاج الزراعي، ونزاعات جيوسياسية تعيد تشكيل طرق التجارة، واضطرابات في النقل البحري ترفع تكاليف الشحن والتأمين، وقيوداً تصديرية تفرضها بعض الدول لحماية أسواقها الداخلية.
وتشير التجارب العالمية إلى أن انقطاع الغذاء لا يحدث غالباً بسبب نقص الإنتاج، بل بسبب تعطل سلاسل الإمداد والعبور. فالمخزون الاستراتيجي ليس مجرد أرقام ثابتة، بل هو عملية متحركة تستهلك وتتجدد باستمرار. وبمقارنة القراءتين الرسميتين الأخيرتين، نجد أن رصيد القمح الفعلي بلغ 674 ألف طن في مطلع تموز (يوليو)، مع كفاية إجمالية تصل إلى 10.3 أشهر، بينما انخفض الرصيد الفعلي إلى 610 آلاف طن في 4 آب (أغسطس) الحالي، مع كفاية إجمالية تبلغ 9.6 أشهر، وهو فارق طبيعي يعكس الاستهلاك الشهري المعتاد البالغ نحو 95 ألف طن.
ويؤكد خبراء أن الأهم ليس حجم المخزون في لحظة معينة، بل العلاقة بين معدل السحب ومعدل إعادة التوريد. فدولة تحتفظ بمخزون يكفي ستة أشهر وتستطيع تعويض شحناتها خلال أسبوعين تعتبر أكثر أماناً من دولة تملك مخزوناً لعشرة أشهر لكنها تحتاج ثلاثة أشهر لإتمام دورة شراء واحدة. وهنا تبرز أهمية الانتقال من قياس الحجم إلى قياس الجاهزية، وهو إطار تحليلي يستبدل نقاط الضعف باحتياجات قابلة للمعالجة، والتهديدات باستثناءات تمثل نجاحات قائمة يمكن تعميمها.
ويوضح خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن تطبيق هذا الإطار على المخزون يتطلب توزيع عناصر الجاهزية التسعة على الأسئلة الخمسة. فحجم المخزون الفعلي والكميات المتعاقد عليها تُقرأ ضمن نقاط القوة، بينما تنوع مصادر الاستيراد وسرعة إعادة التوريد ومرونة سلاسل الإمداد تُقرأ ضمن التحسينات. أما المخاطر اللوجستية واستقرار الأسواق العالمية فتُقرأ ضمن الاحتياجات، في حين تُقرأ استمرارية القطاع الخاص والقدرة على الاستجابة للطوارئ ضمن الاستثناءات. وتشمل الفرص غير المستغلة العقود الآجلة والمخزون الإقليمي المشترك والقدرات التخزينية غير المستثمرة بالكامل.
إعلان
ويبين التقرير الحكومي أن رصيد القمح المتوافر فعلياً في المستودعات يبلغ نحو 610 آلاف طن تكفي 6.4 أشهر، وتضاف إليها 302 ألف طن متعاقد عليها وفي الطريق تكفي 3.2 أشهر، ليصل الإجمالي إلى 9.6 أشهر. أما رصيد الشعير فيبلغ 609 آلاف طن تكفي 7 أشهر، مع 220 ألف طن في الطريق تكفي 2.5 شهر، ليصل الإجمالي إلى 9.5 أشهر. وتتراوح كفاية بقية السلع بين شهرين وأربعة أشهر، فالسكر نحو شهرين ونصف، والأرز نحو ثلاثة أشهر ونصف، والزيوت النباتية بين شهرين ونصف وثلاثة أشهر، والبقوليات بين شهرين وأربعة أشهر بحسب الصنف، والحليب المجفف نحو ثلاثة أشهر، والذرة العلفية أكثر من ثلاثة أشهر.
ويلفت الزعبي إلى أن القراءة التقليدية تصف هذه المستويات بأنها مطمئنة، وهي كذلك فعلاً، لكن القراءة القائمة على الجاهزية تكشف أمرين لا يظهران في الرقم الإجمالي. الأول أن ثلث كفاية القمح المعلنة، أي 3.2 أشهر من أصل 9.6، لا يزال خارج حدود المملكة، وهو معرض لاضطرابات النقل البحري. لذلك من الأدق منهجياً التمييز بين الكفاية السيادية المحققة الموجودة داخل المستودعات، والكفاية التعاقدية التي تتحقق عند الرصيف. والثاني أن المنظومة تعمل بمستويين مختلفين: سلع تشتريها الدولة بعطاءات دورية فتتجاوز كفايتها تسعة أشهر، وسلع يتولاها المستوردون فتتراوح كفايتها بين شهرين وأربعة أشهر، وهذا التباين يعكس نموذجي شراء مختلفين.
ويشير التقرير الحكومي إلى أن تحصين المخزون جاء ثمرة تنسيق مباشر مع غرفتي تجارة الأردن وصناعة الأردن ومع التجار والمستوردين والقطاع الصناعي، إلى جانب استمرار الجولات الرقابية ومتابعة السلاسل التموينية. وهذا أمر جوهري لأن الجزء الأكبر من مخزون السلع غير الحبوب موجود في مستودعات القطاع الخاص، لذا فإن المخزون الوطني الحقيقي هو مجموع المخزونين العام والخاص، ولا يصبح أصلاً استراتيجياً قابلاً للإدارة إلا إذا كان مرئياً لصانع القرار بصورة دورية ومنتظمة. ويدعو الخبراء إلى الانتقال من التنسيق القائم على العلاقات الشخصية إلى منظومة تشاركية للبيانات تربط الجهات الرقابية بالمستوردين والصناعيين، لتتيح رؤية آنية للمخزون والعقود المستقبلية.
ويتماشى هذا التوجه مع التحول الأوسع في المعايير الدولية لتقييم الأمن الغذائي، حيث أصبح مفهوم المرونة الغذائية محور القياس. فالمرونة تعني القدرة على امتصاص الصدمة دون انقطاع، والتكيف بتغيير المصادر والمسارات، وإعادة التشكيل بحيث تخرج المنظومة من الأزمة أقوى مما دخلتها. وقد بنى الأردن، رغم محدودية موارده المائية واعتماده الكبير على الاستيراد، منظومة أثبتت قدرتها على الصمود عبر التخطيط الاستباقي والتعاقدات المستقبلية وتنويع مصادر الاستيراد والشراكة مع القطاع الخاص. فالنجاح في هذا الملف لا يقاس بعدد أشهر المخزون وحده، بل بقدرة الدولة على إبقاء الغذاء متدفقاً في ظروف مختلفة، والأرقام الصادرة عن الوزارة تمثل نقطة انطلاق سليمة، لكن قيمتها الحقيقية تتحقق حين تتحول من بيان طمأنة دوري إلى مادة خام لتقييم جاهزية منتظم.
وخلص الزعبي إلى أن إطار الجاهزية يحول السؤال من "هل المخزون كافٍ؟" إلى "ما الذي نحتاجه، وما الذي يمكن تحسينه، وما النجاح القائم الذي نستطيع تعميمه؟". فالأمن الغذائي ليس رقماً يُبلَّغ به مرة كل شهر، بل عملية ديناميكية قوامها الرصد المستمر وإدارة المخاطر والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص. وما تحقق حتى الآن يشير إلى أن الأردن يسير في هذا الاتجاه بثقة، وأن الانتقال من قياس الكميات إلى قياس الجاهزية هو الخطوة التالية المنطقية.
المصدر: رؤيا
إعلان
أخبار ذات صلة

محليات
رئيس مجلس النواب يبحث مع السفير التشيلي تعزيز التعاون البرلماني

اقتصاد
الأردن يمدد إعفاء الشحن البحري من الرسوم والضرائب 6 أشهر إضافية

محليات
الحكومة توافق على إجراءات لرفع كفاءة الطاقة في المباني الحكومية وتوفير 20% من الفاتورة

اقتصاد
الأردن يوافق على إمداد لبنان بالغاز الطبيعي عبر باخرة العقبة وبالتعاون مع سوريا

محليات
الضمان الاجتماعي يدعو العاملين لاستخدام خدمة "اشمل نفسك" الإلكترونية

محليات
إحالة مسؤولين في مجلس النواب والمالية على التقاعد بقرار حكومي
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
