الخميس، ٢٤ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

صحة

ألغاز التخدير العام: كيف تكشف المواد المخدرة أسرار الوعي البشري؟

لا يزال العلماء يجهلون الآلية الدقيقة لعمل التخدير العام، لكن الدراسات الحديثة تكشف دلائل مهمة حول طبيعة الوعي وموقعه في الدماغ.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: BBC عربي
ألغاز التخدير العام: كيف تكشف المواد المخدرة أسرار الوعي البشري؟
المصدر: صورة: Anna Shvets — Pexels

في عام 1797، اضطر الأدميرال البريطاني هوراتيو نيلسون إلى الخضوع لعملية بتر ذراعه اليمنى، ولم يكن تحت تأثير أي مخدر سوى جرعة من مشروب الروم وفقاً للروايات المتداولة. وظلت عمليات بتر الأطراف تجرى لقرون طويلة والمرضى في كامل وعيهم، إلى أن جاء عام 1846 ليشهد إدخال التخدير العام وتحولاً جذرياً في الطب.

اليوم، يجري أكثر من 350 مليون عملية جراحية سنوياً حول العالم تحت تأثير التخدير العام، لكن الكيفية التي تُدخل بها هذه المواد المرضى في حالة اللاوعي ما زالت غامضة. ومع ذلك، بدأت مؤشرات جديدة بالظهور قد تساعد في فهم الآليات الأساسية للدماغ، وربما تقود إلى أصول الوعي ذاته.

تتنوع مواد التخدير العام في تركيباتها الكيميائية، من غازات تبدو خاملة مثل الزينون الذي نادراً ما يُستخدم عملياً، إلى البروبوفول الأكثر شيوعاً. ويتمثل تأثيرها المشترك في التدخل بعملية التواصل بين الخلايا العصبية ومنعها من تبادل الإشارات، وهو ما يظهر في صور الرنين المغناطيسي كانخفاض عام في نشاط الدماغ.

يقول نيك فرانكس، أستاذ الفيزياء الحيوية والتخدير في كلية إمبريال بلندن: "حتى لو توقف الدماغ بأكمله عن العمل، فإن ترابطه الشديد يجعل من الصعب للغاية تحديد العامل الذي أدى إلى ذلك التوقف الشامل". ويضيف: "إذا نظرت إلى صور الدماغ، يتضح أن هناك مناطق معينة أكثر حساسية وتتوقف عن النشاط أولاً، مما يثير التساؤل عما إذا كانت هي التي تؤدي لاحقاً إلى التوقف العام".

إعلان

يشير فرانكس إلى المهاد (Thalamus)، وهي بنية عميقة في الدماغ تشبه البيضة وتعمل كمركز ربط رئيسي، ويبدو أنها أول ما يتراجع نشاطه عند التخدير. ويقول: "إذا خدرت حيواناً ثم حفزت جزءاً محدداً للغاية من المهاد، يمكنك إيقاظه"، مضيفاً أن دراسات أظهرت إمكانية إيقاظ بعض مرضى الغيبوبة عبر تحفيز المهاد، لكنه يؤكد الحاجة لمزيد من الدراسات للتأكد.

في المقابل، يعتقد علماء آخرون أن القشرة الدماغية هي الموطن الرئيسي للوعي، وبالتالي المكان الذي تمارس فيه مواد التخدير تأثيرها الأساسي، مع مشاركة مناطق أخرى مثل الفصين الجبهي والجداري. وتشير تقديرات إلى أن واحداً من كل 15 ألف مريض قد يتذكر بعض جوانب العملية بعد استيقاظه، وهي ظاهرة تعرف بـ"الوعي العرضي".

يعتقد جايديب بانديت، استشاري التخدير في مستشفيات جامعة أوكسفورد، أن هؤلاء المرضى يختبرون "حالة ثالثة" من الوعي بين النوم واليقظة. وفي تجاربه، استخدم رباطاً ضاغطاً لمنع تأثير المرخي العضلي على الساعد، فوجد أن ثلث المرضى كانوا قادرين على الضغط على أصابع الباحث استجابة للأوامر رغم عدم إظهارهم أي مؤشرات على اليقظة أو الألم.

درس أندريا لوبي، عالم الأعصاب في جامعة كمبريدج، ما إذا كانت مواد التخدير يمكن أن تساعد في فهم "المشكلة الصعبة للوعي". وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وجد أن الأدمغة تحت تأثير التخدير تصبح أقل "تفرداً" وأكثر تشابهاً، بل وأقل تميزاً عن أدمغة الرئيسيات الأخرى، مما يشير إلى أن المناطق الأكثر تأثراً هي الأحدث تطورياً.

كتب لوبي في تعليق نُشر عام 2024: "أثناء اليقظة، يوجّه تيار الوعي تسلسل الأنماط الدماغية التي نمر بها"، موضحاً أن نشاط الدماغ تحت التخدير يصبح بلا توجيه. وتتوافق نتائجه مع فكرة أن الوعي شبكة تنشأ من تنسيق مراكز مختلفة، لا من نشاط منطقة محددة، ويرى أن مواد التخدير قد تلقي الضوء على كيفية تأثير المواد المهلوسة مثل LSD والسيلوسيبين في الوعي.

ويقول بوريس هايفيتس، الأستاذ المشارك في طب التخدير في جامعة ستانفورد: "فهمنا للوعي لا يزال بدائياً إلى حد كبير". ويضيف: "لذا أعتقد أنه إذا تمكنتم من العثور على شخص يستطيع أن يشرح كيف يعمل الوعي، فأرجو أن تخبروني. سأكون سعيداً جداً بالتحدث إليه".

المصدر: BBC عربي

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.

ألغاز التخدير العام: كيف تكشف المواد المخدرة أسرار الوعي البشري؟ | العنوان الإخباري