تحقيقات أوروبية موسعة في مزاعم "سياحة القنص" خلال حصار سراييفو
توسعت التحقيقات في مزاعم قدوم أجانب إلى سراييفو أثناء حصارها لدفع المال مقابل إطلاق النار على المدنيين، لتشمل خمس دول أوروبية، وسط شهادات متضاربة وغياب أدلة قاطعة.

اتسعت رقعة التحقيقات والتحركات القضائية في القضية المعروفة إعلامياً باسم "سياحة القنص" أو "رحلات الصيد في سراييفو" لتشمل خمس دول أوروبية هي إيطاليا والنمسا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا. وعادت هذه القضية إلى الواجهة بعد تقارير وشهادات تحدثت عن أجانب قدموا إلى المدينة إبان حصارها ودفعوا أموالاً مقابل إطلاق النار على المدنيين وقتلهم، وهي مزاعم لم تثبت قضائياً بعد.
منذ انتهاء حرب البوسنة والهرسك (1992-1995) وحصار سراييفو (1992-1996)، تواصلت الجهود لكشف الجرائم المرتكبة خلال الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها. وقد نظرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، التي أنشأها مجلس الأمن الدولي، في قضايا عدد من المسؤولين عن جرائم ارتُكبت أثناء النزاع، من بينهم الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش الذي توفي في لاهاي عام 2006 أثناء محاكمته وقبل صدور حكم بحقه.
في السنوات الأخيرة، عادت إلى الواجهة مزاعم تتعلق بجرائم أخرى ضد المدنيين، منها أن أجانب دفعوا مبالغ مالية للمشاركة في عمليات قنص، وأن مبالغ أكبر كانت تدفع لاستهداف النساء والأطفال، بمن فيهم نساء حوامل. وقد لفتت هذه المزاعم الأنظار مجدداً عام 2022 مع عرض الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش، تلته تحقيقات صحافية، من بينها تحقيق للصحافي الإيطالي إزيو غافازيني الذي تقدم بشكوى إلى القضاء الإيطالي ونشر في مارس/آذار 2026 كتابه "قناصو عطلة نهاية الأسبوع"، كما قدم الصحافي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش في أبريل/نيسان 2026 كتابه "ادفع وأطلق النار" الذي يتضمن مزيداً من الوثائق والشهادات.
تحولت مواقع ارتبطت بحصار سراييفو إلى محطات رئيسية لزوار المدينة، تستعيد أحداث الحرب وما عاشه سكانها خلالها. ومن بينها شارع رئيسي عرف باسم "شارع القناصة" بسبب تعرض المارة فيه لنيران القناصة، ونفق سراييفو الذي حفر تحت مدرج المطار لربط المدينة المحاصرة بالعالم الخارجي ونقل الإمدادات، إضافة إلى متحف طفولة الحرب الذي افتتح عام 2017 ويوثق تجارب الأطفال الذين عاشوا الحرب من خلال مقتنياتهم وشهاداتهم الشخصية.
إعلان
تفيد الروايات التي تستند إليها التحقيقات بأن أجانب أثرياء سافروا إلى البوسنة خلال الحرب، ودفعوا المال مقابل الوصول إلى مواقع تابعة لقوات صرب البوسنة المطلة على سراييفو، والسماح لهم بإطلاق النار على المدنيين. وتقول بعض هذه الروايات إن مبالغ أكبر كانت تدفع لاستهداف الأطفال والنساء الحوامل، وإن بعض المشاركين تنافسوا في استهداف النساء. وفي تقرير نشرته صحيفة التايمز البريطانية حديثاً، تحدثت الصحيفة إلى عدد من الشهود بشأن هذه المزاعم، من بينهم ألكسندر ليتشانين (63 عاماً) الذي قال إنه شاهد عام 1993 أو 1994 أجانب يرتدون ملابس أنيقة يتخذون مواقع في المقبرة اليهودية القديمة، أثناء تطوعه في وحدة دبابات تابعة لقوات صرب البوسنة، وأضاف أنه شهد احتفالات كانت تقام بعد انتهاء ما وصفه بـ"الصيد"، قال إن المشاركين فيها كانوا يأكلون ويشربون حتى ساعات الصباح الأولى.
في التقرير نفسه، قال زلاتكو ميليتيتش، الذي كان يقود وحدة في شرطة سراييفو خلال الحرب، إن معلومات بدأت تصل عام 1993 عن أجانب من دول في أوروبا الغربية يأتون إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات صرب البوسنة ويشاركون في إطلاق النار. كما التقت التايمز إدين سوباسيتش، وهو ضابط سابق في الاستخبارات البوسنية، الذي قال إنه شارك أواخر عام 1993 في استجواب متطوع صربي في العشرينيات من عمره، جنده الحزب الراديكالي الصربي الذي كان يتزعمه فويسلاف شيشيلي. وبحسب سوباسيتش، قال المتطوع إنه سافر في حافلة صغيرة مع متطوعين آخرين، وفوجئ بوجود ثلاثة إيطاليين وأجنبيين آخرين معهم، وأضاف أن أحد أفراد المجموعة سأل الإيطاليين عن المبلغ الذي يتقاضونه مقابل القتال، فجاء الرد: "لا أحد يدفع لنا. نحن من ندفع لنكون هنا".
باشرت السلطات الإيطالية التحقيق في القضية أواخر عام 2025، بعد أن تقدم الصحافي والكاتب إزيو غافازيني بشكوى إلى الادعاء العام في ميلانو، استناداً إلى معلومات وشهادات جمعها خلال بحثه. ويقول غافازيني إن اهتمامه بالقضية تعمق بعد مشاهدته الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" عام 2022. وفي كتابه "قناصو عطلة نهاية الأسبوع"، يقدّر عدد المشاركين في ما يسميه "رحلات السفاري البشرية" بما بين 400 و500 شخص، معظمهم من الإيطاليين، كما ينقل عن أحد مصادره تقديراً بأن نحو 230 إيطالياً شاركوا في تلك الرحلات، إلى جانب أشخاص من دول أخرى. وهذه الأرقام تستند إلى شهادات جمعها غافازيني، وليست أرقاماً أثبتها التحقيق القضائي.
اتسع الملف لاحقاً ليشمل تحقيقات وتحركات قضائية في دول أوروبية أخرى، وذكرت صحيفة التايمز أن السلطات المعنية بالقضية في أوروبا تشمل إيطاليا والنمسا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا، وإن كانت الإجراءات في مراحل مختلفة من دولة إلى أخرى. وفي إيطاليا، وضع الادعاء العام في ميلانو خمسة أشخاص قيد التحقيق، ونقلت وكالة رويترز في 18 يونيو/حزيران عن مصدر مطلع مباشرة على القضية قوله إن الأدلة التي جُمعت حتى ذلك الوقت كانت في معظمها ظرفية، ولم تكن كافية لطلب إحالة أي من المشتبه بهم إلى المحاكمة. وفي إطار التحقيق، فتشت الشرطة منزل أحد المشتبه بهم، وهو موظف بلدي سابق من منطقة جنوة، بعد إفادة شريكته السابقة بأنه كان يعاني كوابيس مرتبطة بما يُزعم أنه فعله في البوسنة قبل نحو ثلاثة عقود، وصادرت الشرطة كاتم صوت وصورة لبندقية دقيقة التصويب، وكان الرجل قد خضع للاستجواب في وقت سابق واستخدم حقه في عدم الإجابة. أما المشتبه به الإيطالي البالغ من العمر 80 عاماً، فهو شخص آخر، وكان أول من حددت هويته رسمياً في التحقيق، وهو سائق شاحنة متقاعد من شمال شرقي إيطاليا، ونفى خلال استجوابه الاتهامات الموجهة إليه، كما نفى أن يكون قد ذهب إلى سراييفو. وفي النمسا، فتح الادعاء العام في كريمس، غرب فيينا، تحقيقاً في أبريل/نيسان بشأن مواطن نمساوي وشخص آخر لم تحدّد هويته، للاشتباه في صلتهما بهذه الرحلات.
في المقابل، يشكك بعض من عايشوا الحرب في حجم الظاهرة، أو في وجود شبكة منظمة بالنطاق الذي تصفه بعض الروايات. وقال عسكريون بريطانيون سابقون خدموا في سراييفو لبي بي سي إنهم لم يسمعوا آنذاك بما يسمى "سياحة القنص"، وإن نقل أشخاص من دول أخرى إلى مواقع القتال كان سيواجه صعوبات لوجستية بسبب كثرة نقاط التفتيش، ووصف أحدهم الرواية بأنها "أسطورة حضرية". كما نقل تحقيق نشرته "بلقان إنسايت" في 9 يوليو/تموز عن دوغلاس أتش وايز، وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عمل في سراييفو خلال الحرب، قوله إنه لم يسمع عن أجانب يدفعون المال مقابل إطلاق النار على المدينة، وإن الوثائق التي رفعت الوكالة السرية عنها لا تتضمن، بحسب قوله، إشارات إلى أمر مماثل. وأشار التحقيق نفسه إلى تناقضات بين عدد من الشهادات، وإلى غياب أدلة مادية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة تثبت وجود شبكة منظمة بالحجم الذي تصفه بعض الروايات.
ونقلت التايمز عن المصور البريطاني غاري نايت، الذي غطى الحرب منذ عام 1993، تشكيكه في فكرة دفع مبالغ كبيرة للمشاركة في إطلاق النار، قائلاً إن من أراد القتال إلى جانب القوات الصربية كان يستطيع التطوع والتوجه إلى الجبهة من دون مقابل. ومع ذلك، لم تؤد هذه الشكوك إلى إغلاق الملف، ففي نهاية يونيو/حزيران، اجتمع ممثلون عن ست دول في مقر وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية "يوروجست" في لاهاي لتبادل ما توصلوا إليه من معلومات، وكان من بينهم ممثل عن البوسنة والهرسك، حيث يجري أيضاً تحقيق في القضية. وهكذا تبقى القضية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على حصار سراييفو، معلقة بين شهادات تتحدث عن "رحلات صيد بشرية" وتحقيقات لم تصل بعد إلى أدلة حاسمة حول حدوث تلك الرحلات ومن شارك فيها.
المصدر: BBC عربي
إعلان
أخبار ذات صلة

عربي ودولي
الأمن السوري يعلن توقيف ضابط سابق متهم بارتكاب جرائم حرب

عربي ودولي
الأمم المتحدة: إسرائيل هجّرت 33 ألف فلسطيني من مخيمات بالضفة

عربي ودولي
سوريا تستلم اللواء عادل عيسى من لبنان بتهم جرائم حرب

عربي ودولي
دمشق تتسلم من بيروت لواءً سابقًا في جيش الأسد متهمًا بجرائم ضد الإنسانية

عربي ودولي
الجيش الإسرائيلي يعترف بإطلاق النار على سيارة هند رجب ويفتح تحقيقًا جنائيًا

عربي ودولي
وسيم الأسد: من نفوذ العائلة إلى الإعدام بتهم جرائم حرب
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
