من شارع الوكالات إلى مجمع بنك الإسكان: قراءة في خفوت بريق الأمكنة التجارية بعمّان
يتناول المقال تحولات الأماكن التجارية في عمّان، مثل شارع الوكالات ومجمع بنك الإسكان، ويطرح رؤية لإعادة إحيائها بدلاً من إهمالها.

في المدن الحية، لا تندثر الأماكن التجارية فجأة؛ بل تتراجع حركتها تدريجياً، وتقل أعداد روادها، وتُغلق بعض محلاتها، حتى تتحول من كونها مركزاً حيوياً إلى مجرد ذكرى. والزمن لا يقتصر على هدم المباني، بل يعيد تشكيل علاقتها بالسكان، فقد يكون المكان الذي كان وجهة أساسية للأهالي في الماضي مجرد محطة عابرة اليوم، وقد تحمل بنيته إمكانات لاستخدامات مستقبلية مختلفة.
يمكن النظر إلى قصة شارع الوكالات في الصويفية كمثال على ذلك؛ فهو الذي هيمن على مشهد التسوق والتنزه لفترة طويلة، ثم بدأ تألقه يخفت. وقبله، شهدت أسواق جبل الحسين تحولات مماثلة، واليوم تطرح بعض المجمعات التجارية تساؤلات حول قدرتها على البقاء في سوق تتغير فيها تفضيلات المستهلكين بسرعة.
لا يُعزى هذا التراجع إلى ضعف القوة الشرائية فقط، بل تساهم عوامل أخرى مثل ارتفاع الإيجارات الذي يتجاوز طاقة النشاط التجاري، مما يضغط على التجار وينعكس على الأسعار. كما أصبح المستهلك أكثر انتقائية، إذ يبحث عن تجربة تسوق مريحة وسهلة الوصول ومتنوعة وبأسعار معقولة.
الحركة التجارية لا تختفي في هذه الحالة، بل تنتقل من مكان إلى آخر؛ فقد تتحول من شارع إلى مركز تسوق، أو من مجمع إلى منطقة جديدة. لذا، ينبغي تقييم المشاريع التجارية الجديدة ليس فقط من حيث جدواها الفردية، بل من حيث تأثيرها على خريطة الحركة المحيطة بها. فمشاريع مثل تلك المقامة على شارع الكوريدور في عبدون قد تعيد توزيع النشاط التجاري، مما يؤدي إلى ازدهار مناطق وتراجع أخرى.
إعلان
من منظور هندسي، يُنظر إلى هذه الظاهرة كدورة حياة للمكان: تبدأ بوظيفة، ثم تنمو الحركة، ويترسخ الازدهار، ومع تغير الظروف، يفقد المكان بعض أسبابه الأساسية للاستمرار. لكن التحذير الأهم هو عدم معالجة المكان المتدهور بإهماله أو هدمه، فبعض الأماكن تحمل قيمة تاريخية واقتصادية تستحق إعادة تأهيلها.
شارع الوكالات، على سبيل المثال، ليس مجرد شارع تراجعت حركته، بل هو أحد الأماكن التي ساهمت في تشكيل مرحلة من النشاط التجاري والترفيهي في عمّان. ومجمع بنك الإسكان ليس مجرد عقار فقد بريقه، بل هو معلم عمراني واقتصادي في موقع مميز، احتضن فندقاً وقصر مؤتمرات، وما زالت بنيته تحمل إمكانات حقيقية لإعادة التوظيف والاستثمار.
هنا تظهر حكمة الزمن: ليس كل قديم عتيقاً، وليس كل جديد متقدماً. فبعض المباني تسبق عصرها في الفكرة، لكنها تتأخر في الاستخدام؛ وبعض الشوارع لا تفقد قيمتها بل تفقد الوظيفة التي كانت تمنحها الحياة. لذلك، لا ينبغي البحث عن بدائل لهذين المكانين، بل عن سبل لإعادة الحياة إليهما.
الإحياء لا يقتصر على طلاء الواجهات وإعادة تأجير المحلات، بل يتطلب تأهيلاً عمرانياً يحترم هوية المكان، وتنشيطاً تجارياً واقعياً، وفعاليات اجتماعية وثقافية وترفيهية، ووجود مؤسسات وخدمات عامة عند الحاجة، وإعادة تشكيل الساحات والممرات وأماكن الجلوس والتنزه لجعل المكان جذاباً ومتاحاً بتكلفة معتدلة. فالمكان لا تحييه الواجهات وحدها، بل الحياة من حوله.
لا يدعو هذا الطرح إلى حماية القديم من الجديد أو وقف الاستثمار، بل إلى جعل النمو التجاري أكثر وعياً؛ بحيث لا يكون ازدهار مكان على حساب إطفاء آخر، ولا ننتظر حتى تتراكم لافتات «للإيجار» لنسأل عن الأسباب. فالمهندس حين ينظر إلى مبنى قديم لا يسأل فقط عن عمره المتبقي، بل عن قدرته على الحياة. وهكذا ينبغي النظر إلى أماكننا: شارع الوكالات ومجمع بنك الإسكان لا يحتاجان إلى من يرثيهما، بل إلى من يقرأ ما بقي فيهما من نبض، فربما الروح التي غادرت المكان لم تصعد بعد، وما زالت تنتظر نافذة للعودة.
المصدر: الوكيل الاخباري
إعلان
أخبار ذات صلة

محليات
الدوريات الخارجية: حركة سير نشطة على الطرق منذ الصباح

رياضة
بدء وصول المنتخبات إلى عمّان للمشاركة في بطولة آسيا للكراتيه

عربي ودولي
مصر وعُمان تبحثان احتواء التصعيد الإقليمي وتهدئة التوتر

محليات
حملة نظافة واسعة في مسجد عرب كوب جنوب عمان ضمن جهود إعادة تأهيله

محليات
تمديد دوام السبت في 6 مكاتب للأحوال المدنية بالعاصمة

محليات
تمديد دوام 6 مكاتب للأحوال المدنية في عمان يومي السبت
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
