الأحد، ٦ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

ثقافة وفن

كيف تموت اللغات وماذا يحدث لأهلها؟

تختفي اللغات عندما يتوقف الأطفال عن تعلمها، وتتأثر بالحروب والهجرة والسياسات التعليمية. وتشير التقديرات إلى أن آلاف اللغات مهددة بالانقراض، مع توثيق مئات حالات الانقراض.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: BBC عربي
كيف تموت اللغات وماذا يحدث لأهلها؟
المصدر: صورة: caffeine — Pexels

عندما يسأل طفل عن أول جملة نطقها الإنسان، يصعب الإجابة، إذ لا توجد أدلة ملموسة على الكلام قبل اختراع الكتابة. فقد بحث العلماء في تطور الإنسان وآثار المجتمعات القديمة دون العثور على إجابة قاطعة، وخلصت مراجعة نشرتها دورية "فرونتيرز إن سايكولوجي" عام 2014 إلى أن المعرفة الحالية لا تكفي لتحديد بداية اللغة.

أقدم كتابة معروفة ظهرت في بلاد الرافدين قبل 3200 قبل الميلاد، وفق المتحف البريطاني، لكنها كانت لتسجيل المعاملات التجارية، بينما كانت اللغات تُنقل شفهياً قبل ذلك بزمن طويل. وتستمر اللغة حية ما دامت تنتقل من الآباء إلى الأطفال، لكنها تبدأ بالتراجع عندما يتوقف الأطفال عن تعلمها، وتنحصر بين كبار السن حتى تختفي بوفاة آخر متحدث بها.

تشير تقديرات "كتالوغ اللغات المهددة" إلى أن 3,176 لغة كانت مهددة، أي نحو 46% من لغات العالم، وفق ورقة قدمها باحثون عام 2013. وتمكن الباحثون من توثيق 639 لغة انقرضت، بينها 227 لغة اختفت منذ عام 1960. وتكشف بيانات اليونسكو أن معظم اللغات المهددة تستخدمها مجتمعات صغيرة، حيث يقل عدد المتحدثين بـ 1,749 لغة عن عشرة آلاف شخص.

تختلف تقديرات معدل انقراض اللغات؛ فاليونسكو تستخدم تقديراً يقول إن العالم يفقد لغة كل أسبوعين، بينما قدر باحثون آخرون المعدل بنحو لغة كل 12 أسبوعاً. ويصعب تحديد لحظة الانقراض بدقة، إذ قد يموت آخر متحدث بطلاقة بينما يبقى آخرون يتذكرون كلمات منها، وقد يتوقف انتقال اللغة إلى الأطفال قبل عقود من وفاة آخر من يجيدها.

إعلان

وضعت اليونسكو عام 2003 مقياساً لتصنيف اللغات من القوة إلى الانقراض، بناءً على ما إذا كان الأطفال يتعلمونها من آبائهم. وتكون اللغة آمنة عندما تتحدث بها جميع الأجيال، وتصبح هشة عندما يستخدمها الأطفال في أماكن محدودة، ثم تدخل مرحلة الخطر عندما يتوقفون عن تعلمها، وتصل إلى المرحلة الأكثر حرجاً حين لا يستخدمها إلا كبار السن جزئياً.

تتراجع اللغات بسبب الحروب والضغوط الاقتصادية والدينية والثقافية، أو بسبب نظام تعليمي لا يمنحها مكاناً. وقد يستخدم الآباء لغة أوسع انتشاراً مع أطفالهم اعتقاداً بأنها تساعدهم في التعليم والعمل. ويحذر الباحث ويسلي واي ليونارد من اختصار هذا التحول في قرار فردي حر، مشيراً إلى أن القول إن لغة ما "اختفت" قد يظلم ما تعرض له أهلها من استعمار وتهجير وتهميش.

وجدت دراسة نشرتها دورية "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" عام 2022 أن الخطر يزداد عندما يدرس الأطفال لسنوات بلغة مهيمنة دون أن تحصل لغة المنزل على مكان في المدرسة. كما يرتبط انتشار الطرق بارتفاع مستوى التهديد، لأنها تسهل انتقال الناس إلى المدن وتوسع حضور اللغات الكبرى. وتضيف الهجرة ضغطاً جديداً، إذ قد لا يجد الشخص من يتحدث معه بلغته في المدينة، ومع الوقت، يتحدث الأجداد اللغة ويفهمها الآباء دون استخدامها كثيراً.

تتجاوز الحروب آثارها على المجتمعات لتصل إلى الكلمات التي يتحدث بها الناس، فعندما تغادر العائلات بلداتها وتتوزع بين مدن ودول مختلفة، لا تنتقل معها اللغة دائماً بالقوة نفسها. وهذا ما تواجهه الآرامية الغربية الحديثة في سوريا، إذ وصفها باحثون بأنها مهددة بشدة، وقدروا عدد المتحدثين بها بأقل من ثلاثة آلاف شخص، معظمهم في معلولا وجبعدين، ويربطون تراجعها بالحرب السورية التي دفعت متحدثين إلى النزوح.

في بعض الأحيان، تبدأ رحلة اختفاء اللغة بقرار سياسي، كما حدث مع الأوبيخية التي كانت تُستخدم قرب سوتشي، حيث اضطر معظم الأوبيخ إلى مغادرة القوقاز عام 1864. ومع مرور السنوات، ابتعد الشباب عن الأوبيخية حتى لم يبق سوى شخص واحد يتقنها، هو توفيق إسنتش، الذي توفي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1992، وتوقفت بوفاته الأوبيخية عن أن تكون لغة حية.

في كندا، تراجعت لغات السكان الأصليين بسبب سياسة المدارس الداخلية التي فصلت الأطفال عن عائلاتهم ودفعتهم إلى التخلي عن لغة المنزل. واستمر هذا النظام قرابة 150 عاماً، وحُرمت أجيال من لغاتها وممارساتها الروحية، وامتدت آثاره النفسية والاجتماعية إلى الأجيال التالية. ومع الوقت، حلت الإنجليزية أو الفرنسية محل اللغات الأصلية داخل المنزل، وانقطعت السلسلة التي كانت تنقل لغة الأسرة بين الأجيال.

لا يستطيع الباحثون تحديد اللغات التي ستختفي خلال العقود المقبلة، فتصنيف اللغة على أنها مهددة لا يحسم مصيرها. وتستطيع بعض اللغات استعادة حضورها عندما يقرر أهلها استخدامها من جديد، وتدخل المدارس والكتب والإعلام. في المقابل، تنحسر اللغة التي لا تجد مكاناً في حياة الأطفال بمرور السنوات، حتى لا تبقى إلا في ذاكرة كبار السن أو تسجيلات الباحثين.

المصدر: BBC عربي

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.