قراءة في زيارة الملك إلى الصين: الأردن يبحث عن موقع في النظام الدولي الجديد
تحليل لزيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، حيث يسعى الأردن لتعريف قيمته الجيوسياسية في عالم متغير، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي وعلاقاته المتوازنة.

لا تقتصر الزيارات الملكية على كونها بنودًا في أجندة السياسة الخارجية؛ فبعضها يأتي في توقيت يكون فيه السؤال الأكبر: أين يطمح الأردن أن يكون عندما يتبدل النظام العالمي؟ ومن هنا، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تتجاوز كونها مجرد مناسبة للاتفاقيات والاستثمارات، إذ تمثل جزءًا من رؤية أردنية استباقية للتحولات الدولية.
فالصين اليوم لم تعد قوة اقتصادية أو سوقًا تجارية فحسب، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، مع تنامي حضورها السياسي في الشرق الأوسط. ولم يكن الأردن يبحث في بكين عن سوق جديدة فقط، بل عن موقع له في النظام الدولي الجديد، وهذه نقطة جوهرية.
السؤال التقليدي هو: ماذا يمكن أن تحصل عليه عمّان من بكين؟ بينما السؤال الأهم: ماذا يمكن أن يمثل الأردن بالنسبة للصين؟ فالأردن ليس سوقًا ضخمًا ولا يمتلك ثروات طبيعية، لكنه يتمتع بعناصر استراتيجية: الموقع الجغرافي، والاستقرار، والعلاقات العربية والدولية، والقدرة على الوصول لأسواق متعددة، ودور سياسي يتجاوز حجمه.
رأس المال الأردني الحقيقي في هذه العلاقة ليس ماليًا بل جيوسياسيًا، حيث يمكن أن يكون حلقة وصل بين الصين والمنطقة العربية، وليس مجرد مستورد للمنتجات الصينية. وقد تعززت هذه الرؤية عندما ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، مما يعكس تجاوز التعاون للتجارة نحو السياسة والاقتصاد.
إعلان
العقبة، على سبيل المثال، ليست مجرد ميناء؛ بل يمكن أن تصبح منصة للتصنيع والتجميع والتخزين وإعادة التصدير، وربط سلاسل الإمداد الصينية بالأسواق العربية. وبفضل اتفاقياته التجارية وموقعه الذي يربط الخليج والعراق وبلاد الشام، يستطيع الأردن تقديم أكثر من حجم سوقه المحلي.
المطلوب إذن ألا تقوم العلاقة على معادلة "ماذا نستورد من الصين؟" بل على "ماذا يمكن أن ننتج مع الصين في الأردن؟"، حيث تكمن الفرصة الحقيقية في جذب التكنولوجيا والخبرة وسلاسل الإنتاج، والاستثمار الذي يترك مهارات أردنية وشركات قادرة على المنافسة ومراكز بحث وتقنيات تنتقل للشباب.
سياسيًا، لا يعني الانفتاح على الصين الابتعاد عن الحلفاء التقليديين، بل توسيع خيارات الأردن، خاصة في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة. وبحكم موقعه، يمكن للأردن الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية، والاستفادة من علاقته مع بكين في ملفات المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.
قيمة الزيارة لا تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بما تتحول إليه تلك الاتفاقيات لاحقًا؛ فالنتيجة الحقيقية هي تحول الشراكة إلى مصانع وشركات ومراكز أبحاث وجامعات وتكنولوجيا، وتوسع الصادرات الأردنية، وجعل العقبة أكثر فاعلية في التجارة الإقليمية، وتمكين الشباب من المشاركة في الاقتصاد الجديد.
العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والصين بدأت عام 1977 وتطورت تدريجيًا إلى الشراكة الاستراتيجية ثم توسعت في الطاقة والبنية التحتية والتجارة والتعليم والتكنولوجيا. لذا، فإن القراءة الأبعد للزيارة هي أنها محاولة لإعادة تعريف القيمة الأردنية في عالم متغير، حيث يمتلك الأردن الموقع والاستقرار والإنسان والدور السياسي وشبكة العلاقات.
إذا نجح الأردن في تحويل هذه العناصر إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية، فإن الصين لن تكون مجرد شريك يستثمر، بل شريك يرى في الأردن قيمة حقيقية في حركة الاقتصاد والسياسة الإقليمية. فالزيارة لم تكن فقط محاولة للوصول إلى الصين، بل محاولة لإقناعها بأن للأردن مكانًا مهمًا في مستقبل المنطقة والعالم؛ فالأردن لا يحتاج إلى أن يصبح كبيرًا ليكون مؤثرًا، بل يكفيه أن يحول موقعه الصغير إلى قيمة كبيرة.
المصدر: رؤيا
إعلان
أخبار ذات صلة

محليات
وفيات السبت 5-9-2026

عربي ودولي
الصفدي وبارو يبحثان تعزيز الشراكة ووقف إطلاق النار الإقليمي

رياضة
تعادل سلبي بين الفيصلي والوحدات في افتتاحية دوري المحترفين الأردني

محليات
العقبة تستقبل جثامين 9 أردنيين توفوا في حادث سير بمصر

اقتصاد
تراجع حجوزات السياحة الأردنية 70% بسبب التوترات الإقليمية

محليات
الأردن يطلق النسخة الإنجليزية من الناطق الرقمي الحكومي 'فرح'
التعليقات
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
