الأحد، ٦ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

محليات

النقل المدرسي المجاني.. مشروع دولة بامتياز

تحليل صحفي يشيد بمشروع النقل المدرسي الحكومي المجاني، معتبراً إياه نموذجاً للمشاريع التي تترك أثراً مستداماً في حياة المواطنين، ويتجاوز عمر الحكومة.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: رؤيا
مؤسسة عبد الحميد شومان: نموذج في حماية الإرث الثقافي واستمراريته
المصدر: رؤيا

لا تُعدّ كل إجراءات الحكومة مشاريع دولة، ولا يستحق كل مشروع حكومي هذا اللقب؛ فمشاريع الدولة الحقيقية هي التي تمتد آثارها إلى ما بعد عمر الحكومة، وتلمس حياة الناس وتُحدث تغييراً جوهرياً في المجتمع.

من هنا، يستحق مشروع النقل المدرسي المجاني وقفة تأمل، ليس بصفته مجرد توفير حافلات لنقل الطلبة، بل كنموذج يُحتذى لما ينبغي أن تكون عليه المشاريع التي توصف بأنها مشاريع دولة، فليس معيار السياسة العامة حجم الإنفاق أو عدد المؤتمرات أو العناوين الإعلامية، بل أثرها الملموس في حياة المواطن اليومية.

الطفل الذي ينتظر الحافلة صباحاً في قرية نائية أو تجمع سكاني بعيد، ثم يصل إلى مدرسته بأمان ويعود في الموعد، قد يجهل تفاصيل المشروع والاتفاقيات والموازنات، لكنه يدرك أن هناك دولة وفّرت له طريقاً أكثر أماناً نحو التعليم، وهنا تكمن قيمة المشروع.

المشروع في المناطق المستهدفة، ولا سيما البادية الجنوبية، يتجاوز كونه خدمة نقل؛ إنه مشروع تعليمي بتسهيل الوصول إلى المدارس، واجتماعي بتخفيف الأعباء عن الأسر، واقتصادي بتقليل تكاليف النقل وتوفير فرص عمل محلية، ومشروع سلامة عامة بنقل الطلبة في منظومة آمنة، وتنموي بتوجيه الخدمات لمناطق تحتاج للتمكين، وقبل كل ذلك هو مشروع ثقة يعزز إيمان المواطن بأن التنمية حق يصل إليه وليست شعارات تطلق من العاصمة.

إعلان

طالما تحدثنا عن تنمية المحافظات والأطراف والبادية وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات، لكن التنمية لا تتحقق إلا عندما تترجم إلى تفاصيل ملموسة في حياة الناس؛ فالتمكين الفعلي للأسر يظهر عندما توفر الدولة نقلاً مجانياً وآمناً لأبنائها، ودعم التعليم يتجسد عندما يزول عائق الوصول إلى المدرسة، والاهتمام بالمناطق النائية يتأكد عندما تصل الحافلة في موعدها إلى قرية بعيدة، فالدولة تُرى أحياناً من نافذة حافلة.

الذكاء الحكومي لا يقتصر على توظيف التكنولوجيا، رغم أهمية أنظمة التتبع والمراقبة والسلامة، بل يتمثل في تصميم مشروع واحد يحقق أهدافاً وطنية متعددة في آنٍ واحد، فإذا أُحسن تنفيذه وتقييمه والتوسع فيه، قد يغدو نموذجاً وطنياً لتقديم الخدمات العامة، خصوصاً عندما تمول الدولة وتنظم وتضمن الجودة، بينما يشارك القطاع الخاص في التشغيل وفق معايير واضحة.

لكن المهم ألا يُنظر إلى المشروع كإنجاز ينتهي بإطلاق الحافلات؛ فالإنجاز الحقيقي يبدأ بعد ذلك بقياس مدى انخفاض تكاليف النقل على الأسر، وارتفاع انتظام الطلبة، وتحسن السلامة، وتوسع فرص الوصول للتعليم، واستفادة المجتمعات المحلية من فرص العمل، وشعور المواطن بتحسن الخدمة، ومدى جدية الرقابة على السلامة في الركوب والمسير، فهذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحكم تقييم المشروع.

مثل هذه المشاريع لا تحتاج إلى تجميل إعلامي كثير؛ فالمواطن سيحكم عليها كل صباح، فإذا وصلت الحافلة في موعدها، وكان السائق مؤهلاً، والرحلة آمنة، وولي الأمر مطمئناً، والطالب وصل دون أعباء إضافية على أسرته، فقد نجح المشروع، وتكون الدولة حاضرة في حياة المواطن دون أن تعلن عن حضورها.

نحن بحاجة لإعادة تعريف مشاريع الدولة؛ فليست بالضرورة الأكبر كلفة أو الأكثر ضجيجاً أو ظهوراً في المؤتمرات، بل هي التي تُبنى على حاجة حقيقية، وتستمر، وتخدم الناس بعدالة، وتُدار بكفاءة، ويمكن تطويرها من حكومة لأخرى، وتبقى فائدتها بعد تغير المسؤولين، ومشروع النقل المدرسي يستحق الإشادة لأنه يستثمر في الإنسان قبل الحجر، فطريق التنمية يبدأ أحياناً من طريق الطالب إلى المدرسة.

الحكومات والمسؤولون والعناوين تتغير، لكن المشروع الذي يترك أثراً مستداماً في حياة الناس يبقى، وتلك هي المشاريع التي تستحق أن تُسمى مشاريع دولة، شكراً لمن فكر وقرر ونفذ.

المصدر: رؤيا

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.