الخميس، ١٧ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

صحة

دراسة طبية: انفجارات البيجر في لبنان أحدثت نقطة تحول في تاريخ إصابات العيون بالحروب

بحث طبي في الجامعة الأمريكية ببيروت يكشف أن انفجارات أجهزة البيجر في لبنان أنتجت نسباً قياسية من تهتك العين وفقدان البصر الدائم، مع إصابات بالغة بين النساء والأطفال.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: BBC عربي
البرلمان اللبناني يقر قانون العفو العام بعد تعديلات
المصدر: صورة: Vyacheslav Argenberg — رخصة CC BY 4.0 (ويكي بيانات)

بعد مرور عامين على تفجير أجهزة البيجر في لبنان، يبرز ملف طبي وإنساني استثنائي حول طبيعة الإصابات التي خلّفتها تلك الحادثة. دراسة حديثة أجراها فريق طبي في الجامعة الأمريكية في بيروت ونشرتها "المجلة البريطانية لطب العيون" أكدت أن استهداف هذه الأجهزة أوقع دماراً واسعاً في صفوف المدنيين غير المشاركين في القتال، وبخاصة النساء والأطفال.

وفق الدراسة، كانت إصابات العين الأكثر انتشاراً وخطورة، إذ إن رفع الجهاز والنظر نحو شاشته فور صدور التنبيه القوي وضع العينين والوجه في مواجهة مباشرة مع الشظايا والضغط الانفجاري. هذا السلوك التلقائي أنتج معدلات غير مسبوقة من التهتك الكامل للعين والعمى الدائم، ما جعل الحادثة علامة فارقة في تاريخ إصابات العيون الناجمة عن الانفجارات.

الشابة اللبنانية سارة جفال، إحدى المصابات، تصف ما جرى بالقول إن أبسط حقوق الإنسان أن يعيش المرء بسلام في منزله، مضيفة: "وأنا كنت في منزلي، أعيش بأمان وسلام، إلى أن قررت إسرائيل بضغطة زر واحدة سلب هذا الأمان". فقدت سارة إحدى عينيها وجزءاً من أصابع يدها، لكنها تواصل دراسة الماجستير بعد عامين على الحادثة، وتؤكد أن التجربة علّمتها تقدير أبسط النعم كالأمان والنظر.

وتساءلت سارة في تصريحات لبرنامج "يوميات الشرق الأوسط" على بي بي سي: "نحن شو خصنا؟ كيف عملية عسكرية إذا المصابين أكثرهم من الأطفال والنساء؟ شو نحن شو؟ نحن مدنيين". وأضافت: "العدو كان هدفه يكسرنا، هدفه يعزلنا، هدفه يمحونا، رغم إنه راحوا عيوني وراحوا أطراف يداي، قررت إني أقوم وأتعالج وأكمل لتحقيق أحلامي".

إعلان

أما بيان طه، أم من جنوب لبنان، فقد كانت تحمل جهاز البيجر الخاص بزوجها حين انفجر بعد رنة غير معتادة، وكانت قد وضعت أصغر أبنائها قبل شهر ونصف من الحادثة. انطفأت عينها فوراً وتحولت رؤيتها إلى ظلام، وظلت مستيقظة طوال نقلها إلى المستشفى تمد يدها التي لم يتبقَّ منها سوى إصبع ونصف لتفتح الطريق وسط الزحام، وركز الأطباء ثلاثة أيام على إيقاف النزيف قبل معالجة عينيها.

تقول بيان: "جيبوا لي أهلي شوفهم قبل ما تطفي العين الثانية.. كان عندي هالإحساس إنه ممكن العين الثانية تطفي لأنه كان عم ينزل عليها دم". وبعد تأكد فقدان عينها الأولى، عانت أزمة نفسية حادة، لكنها تجاوزتها بالحمد على البصيص المتبقي، مؤكدة: "الحمد لله ضل عندي أمل إنه بعد عندي عين واحدة قادرة شوف أولادي فيها". واليوم تواصل أمومتها كاملة، وتجدل شعر ابنتها بالإصبع والنصف المتبقيين.

الدراسة وثّقت أيضاً إصابات عيون بالغة بين أطفال لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات كانوا قرب الأجهزة لحظة الانفجار. صِغر الفئة العمرية أدى إلى ما يُعرف بـ"متلازمة الإصابة الثلاثية المركبة" التي تجمع العين والوجه واليدين، بسبب قرب جسد الطفل من الجهاز، ما خلّف تشوهات شديدة وتحديات تأهيلية طويلة الأمد.

من بين هؤلاء الأطفال علي عباس، الذي أتم عامه الرابع عشر مع ذكرى الانفجار، ولم يدرك فقدان عينه إلا بعد نحو ثمانية أيام في المستشفى. كان علي مولعاً بتلاوة القرآن الكريم، فوجد نفسه عاجزاً عن القراءة كالسابق بسبب ضعف النظر الشديد، لكنه عاد إلى مدرسته معتمداً على السمع بديلاً رئيسياً. ورغم أن رؤية أي جهاز يشبه البيجر تستدعي تفاصيل يوم إصابته، لم يطوّر خوفاً مرضياً من الأجهزة الإلكترونية، واختار دراسة الطب النفسي، قائلاً: "حسيت هالشغلة بتشبهني وبقدر فيد فيها المجتمع.. إني إسمع مشاكل الناس وهمومها ونتساعد على حلها".

الدكتور علي شكر، استشاري زراعة القرنية وتجميل العين، يوضح أن خطورة انفجارات البيجر لم تكن في عدد المصابين فقط، بل في طبيعة الإصابة نفسها؛ فقرب الجهاز من الوجه واليدين وجّه طاقة الانفجار والشظايا نحو مناطق فائقة الحساسية. ويشير إلى أن أصعب ما واجه جراحي العيون هو التعامل مع مرضى شباب يصبح مصيرهم معلقاً على الساعات الأولى: "هل يمكن إنقاذ العين؟ هل يمكن إنقاذ أي قدر ممكن من الرؤية؟".

ويؤكد الدكتور شكر أن المعالجة الجراحية شكلت تحدياً غير مسبوق، إذ لم تكن الإصابات أحادية بل مركبة: شظايا وجروح عميقة في القرنية وبياض العين وتلف في الجفون والوجه، وكثير منها ثنائي الجانب. وأظهرت المتابعات نسباً مرتفعة من إصابات العين المفتوحة واستقرار أجسام غريبة داخل المقلة، ما أدى إلى فقدان الرؤية جزئياً أو كلياً. وقال: "نحن كأطباء عيون، اعتدنا أن نرى إصابات مثل إصابات العيون الناجمة عن الانفجارات، لكن ما واجهناه في البيجر كان نمطاً مختلفاً كلياً".

وختم الدكتور شكر برسالة لمن يحملون آثار الانفجار في أجسادهم أو عيونهم: "أنتم لستم أرقاماً في تقارير طبية، بل قصص وحياة وأحلام توقفت للحظة، ولم تنتهِ". يُذكر أن إسرائيل أقرت لاحقاً بمسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدة أنها كانت تستهدف "مقاتلي حزب الله"، في حين بلغت حصيلة القتلى 12 شخصاً بينهم طفلان، وأصيب نحو 3,000 شخص، وفق بيانات رسمية لبنانية ومصادر من منظمة الصحة العالمية.

المصدر: BBC عربي

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.