الأحد، ٦ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

ثقافة وفن

متحف الكرات الأرضية في فيينا: رحلة عبر تصورات البشر للعالم

في قلب فيينا، يضم متحف غلوب أكثر من 220 كرة أرضية نادرة، تعكس كيف تغيرت معرفة البشر بالعالم عبر القرون، من الخرائط القديمة المليئة بالوحوش إلى الكرات القمرية الحديثة.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: BBC عربي
متحف الكرات الأرضية في فيينا: رحلة عبر تصورات البشر للعالم
المصدر: صورة: Andrzej Otrębski — رخصة CC BY-SA 4.0 (ويكي بيانات)

في أحد الأيام الباردة بالعاصمة النمساوية، اصطفت طوابير طويلة أمام المكتبة الوطنية، بينما كانت المعالم القريبة مكتظة بالزوار. وبحثاً عن ملاذ هادئ، قادت الصدفة كاتبة هذا التقرير إلى متحف صغير يقع داخل قصر بالايس مولارد التاريخي الذي يعود للقرن السابع عشر.

يُعد هذا المتحف، المخصص بالكامل للكرات الأرضية، الوحيد من نوعه في العالم، ويشكل واحداً من أبرز مفاجآت المدينة. ويضم المتحف أكثر من 220 كرة أرضية قديمة ونادرة، معظمها يعود لما قبل عام 1850، وتتراوح بين كرات ضخمة صنعها رسام الخرائط الإيطالي فينتشنزو كورونيللي وكرات صغيرة قابلة للطي.

لا تقتصر أهمية هذه المجموعة على توثيق تاريخ الجغرافيا، بل تكشف أيضاً عن كيفية تخيل البشر لكوكب الأرض والسماء عبر العصور. وفي هذا السياق، يقول مدير المتحف نيكولاوس شوبيسبرغر: "تُظهر الكرات الأرضية كيف تغير تصورنا لكوكبنا، وهذا هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه رؤية هذا العدد الكبير منها معاً".

تبدأ جولة الزائر في "الخزانة الذهبية"، وهي قاعة فاخرة تزينها جداريات تصور مشاهد من الأساطير اليونانية، وتضم أدوات فلكية وجغرافية متنوعة. ومن ثم ينتقل الزائر إلى أربع قاعات رئيسية يسودها صمت تام، حيث يمكن سماع وقع الخطى بين خزائن العرض الزجاجية.

إعلان

من بين أبرز المعروضات كرتان تعودان لمنتصف القرن السادس عشر، إحداهما أرضية والأخرى سماوية، صنعهما الحرفي نفسه بفارق عشر سنوات. ففي الكرة الأرضية، تظهر أوروبا والبحر المتوسط وسواحل أفريقيا بأسمائها، بينما تبدو أمريكا الشمالية وكأنها تتلاشى في مناطق قطبية مجهولة، وتظهر آسيا مشوهة، مع قارة جنوبية متخيلة بدلاً من أستراليا.

أما الكرة السماوية فتمزج معارف عصر النهضة الفلكية بشخصيات أسطورية يونانية مثل بيغاسوس وبيرسيوس. وتحتوي بعض الكرات على رسوم للتنانين والوحوش البحرية في المناطق غير المستكشفة، بينما تظهر كاليفورنيا كجزيرة في أخرى. كما تحمل قطع أخرى آثار النظرة الاستعمارية، من خلال رسوم نمطية للسكان الأصليين وأعلام إسبانية وبرتغالية على السواحل الأفريقية.

ويوضح شوبيسبرغر أن كل كرة تسجل ما كان يعرفه البشر وما كانوا يجهلونه، مشيراً إلى أن المتحف يلقى صدى لدى جمهور واسع وليس فقط المؤرخين. ومن القطع المفضلة لديه كرة قمرية تعود لعام 1961، حيث رسم الجزء المرئي من القمر بدقة بينما ترك الجانب الآخر أبيض، لأن البشر لم يكونوا قد شاهدوه بعد. وبعد عامين فقط، ظهرت نسخة محدثة أضيف إليها الجانب البعيد بعد استكشافه.

وتعرض المجموعة أيضاً نسخة من "كرة بيهايم" التي أنجزها مارتن بيهايم عام 1492، وتظهر عالماً خالياً من الأمريكتين، حيث يمتد محيط شاسع بين أوروبا وآسيا. ويشير مدير المتحف إلى أن الكرة الأرضية تتيح سرد قصص العالم بأكمله، من المناخ إلى طرق التجارة.

وتكشف الجولة كيف تحولت الكرات الأرضية من مقتنيات فاخرة للنبلاء إلى أدوات تعليمية منتشرة في المدارس والمنازل. ويؤكد شوبيسبرغر أن الكرة الأرضية، رغم انتشار التكنولوجيا، لا تزال تحفز الخيال، قائلاً: "إنها ليست مجرد أداة علمية، بل شيء يتيح لك أن تحلم ببلدان بعيدة".

وتشاركه الكاتبة جي إف بن هذا الشعور، إذ تعرفت على المتحف صدفة أثناء كتابة روايتها "رمح القدر"، وانتهى بها الأمر بالبقاء لفترة أطول من المخطط. وتقول إن ما جذبها هو الكرات العتيقة الضخمة التي تغطيها آثار الزمن، متسائلة عن عدد الأيدي التي أدارتها عبر الأجيال.

ولا تقتصر قصة الكرات على جدران المتحف، ففي أنحاء فيينا توجد نحو 50 كرة أرضية أخرى مثبتة على أسطح المباني، ويعرض المتحف مواقعها على خريطة افتراضية ضمن معارضه الجديدة، محولاً المدينة إلى امتداد للمتحف. وبعد خروج الزائر من قصر مولارد ليلاً، يغادر ليس فقط بمكان هادئ، بل بطريقة جديدة للنظر إلى العالم كمكان يعيد البشر رسمه وتخيله كلما اتسعت معرفتهم.

المصدر: BBC عربي

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.

متحف الكرات الأرضية في فيينا: رحلة عبر تصورات البشر للعالم | العنوان الإخباري