الأحد، ٦ أيلول ٢٠٢٦

العنوان الإخباريأخبار الأردن والعالم — لحظة بلحظة

ثقافة وفن

الأردن: جغرافيا الحج المسيحي عبر التاريخ

من المغطس إلى جبل نيبو ومادبا، تشكلت في الأردن جغرافيا دينية مسيحية عريقة، أكدها البابا بندكتس السادس عشر بزيارته عام 2009 واصفًا إياها بالحج إلى مصادر الإيمان.

التحرير الآليآخر تحديث: المصدر: رؤيا
الأردن: جغرافيا الحج المسيحي عبر التاريخ
المصدر: رؤيا

تشكل الأراضي الأردنية منذ القرون المسيحية الأولى فضاءً دينيًا متكاملًا، حيث تتداخل مواقع ارتبطت بأحداث الكتاب المقدس مع كنائس وأديرة وتقاليد حج متوارثة. وتمتد هذه الجغرافيا من وادي الأردن حيث موقع المغطس المرتبط بمعمودية المسيح، مرورًا بجبل نيبو الذي تحكي الروايات التوراتية قصة النبي موسى عليه، وصولًا إلى مدينة مادبا التي تضم إرثًا بيزنطيًا وخريطة فسيفسائية شهيرة للأرض المقدسة.

وفي العصر الحديث، منح البابا بندكتس السادس عشر هذه المواقع مكانة خاصة عندما زار الأردن عام 2009. ففي كلمته لدى وصوله إلى عمان في الثامن من مايو من ذلك العام، صرح البابا قائلًا: «آتي إلى الأردن حاجًا»، مؤكدًا أنه جاء لزيارة الأماكن المقدسة التي لعبت دورًا في التاريخ الكتابي. وقد أشار البابا مباشرة إلى جبل نيبو وبيت عنيا عبر الأردن، كما أعلن عن زيارته لموقع المعمودية وتباريكه أحجار الأساس لكنائس ستقام هناك.

وبعد عودته من الرحلة، وصف بندكتس السادس عشر زيارته للأرض المقدسة بأنها «حج، بل حج بامتياز إلى مصادر إيماننا»، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى من الرحلة كانت في الأردن حيث يوجد «اثنان من أهم الأماكن المقدسة»: جبل نيبو وبيت عنيا عبر الأردن (المغطس). وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن رأس الكنيسة الكاثوليكية في سياق ديني مباشر.

يقع موقع المغطس، أو بيت عنيا عبر الأردن، على الضفة الشرقية لنهر الأردن شمال البحر الميت، ويمثل أحد أبرز المواقع المسيحية في المملكة. وترجع مكانته إلى نص إنجيل يوحنا الذي يذكر «بيت عنيا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد» (يوحنا 1:28)، كما يورد عودة يسوع إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد فيه أولًا (يوحنا 10:40). وقد ارتبط الموقع بمعمودية المسيح على يد يوحنا المعمدان، وأصبح عبر القرون مقصدًا للحجاج.

إعلان

وتدعم الشواهد الأثرية هذا التاريخ؛ إذ يضم المغطس بقايا كنائس ومصليات وأديرة وكهوفًا استخدمها النساك، بالإضافة إلى أحواض مرتبطة بطقوس المعمودية. وقد أدرجت اليونسكو موقع «بيت عنيا عبر الأردن (المغطس)» على قائمة التراث العالمي عام 2015، ووصفته بأنه «موقع حج مسيحي». وتشير المنظمة إلى أن الموقع يحتوي بقايا رومانية وبيزنطية، بما فيها كنائس ومصليات ودير وكهوف للنساك وأحواض معمودية.

أما جبل نيبو، الواقع غرب مادبا، فيرتبط في الكتاب المقدس بقصة النبي موسى؛ حيث يروي سفر التثنية أن موسى صعد إلى الجبل وأراه الرب الأرض الموعودة، ثم توفي في أرض موآب (تثنية 34:1-5). وتحول الموقع عبر الزمن إلى أحد أبرز المواقع الدينية المسيحية في الأردن، حيث شهد بناء كنيسة في القرن الرابع، وتوسعت منشآته الكنسية والرهبانية خلال القرنين الخامس والسادس، ليصبح مركزًا دينيًا ورهبانيًا مهمًا.

وزار البابا بندكتس السادس عشر بازيليكا ذكرى موسى على جبل نيبو في التاسع من مايو 2009 ضمن برنامج رحلته. وفي اليوم التالي، قال في عظته بعمان إنه وقف على مرتفعات الجبل وتأمل في «أرض موسى وإيليا ويوحنا المعمدان»، وهي الأرض التي شهدت بحسب الإيمان المسيحي تحقيق الوعود القديمة بمجيء المسيح.

وتضيف مادبا بعدًا آخر لهذه الجغرافيا؛ إذ كانت مركزًا مسيحيًا مهمًا في العصر البيزنطي، وما تزال آثار تلك المرحلة حاضرة فيها، وعلى رأسها خريطة مادبا الفسيفسائية الموجودة في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس. وتعود الخريطة إلى القرن السادس الميلادي، وتعد مصدرًا جغرافيًا مهمًا لفهم تصور المسيحيين البيزنطيين للأرض المقدسة، حيث تظهر القدس ومناطق من الأردن وفلسطين، ونهر الأردن والبحر الميت، والمنطقة المرتبطة بمعمودية المسيح.

وعند النظر إلى هذه المواقع مجتمعة، تظهر صورة متكاملة تتجاوز فكرة المواقع المنفردة؛ فالمغطس يرتبط بمعمودية المسيح، وجبل نيبو بذكرى موسى، ومادبا تقدم صورة مبكرة لجغرافية الأرض المقدسة. وقد تركت هذه المواقع آثارًا مادية تشمل كنائس وأديرة وفسيفساء وأحواض معمودية ومساكن للرهبان، مما يدل على أنها لم تحتفظ بأهميتها من خلال النصوص فقط، بل من خلال ممارسة دينية وحج مستمرة عبر القرون.

وتؤكد المصادر الأردنية ارتباط منطقة المغطس وجبل نيبو بمسارات الحج المسيحي المبكر، فيما توثق اليونسكو في المغطس وجود منشآت وشواهد مرتبطة بالحجاج. وهكذا، يمكن النظر إلى المنطقة الواقعة بين وادي الأردن ومادبا وجبل نيبو بوصفها فضاءً متصلًا في الذاكرة المسيحية للأرض المقدسة، حيث تلتقي الرواية الكتابية مع المكان والتقليد والآثار والحج في جغرافيا واحدة.

إن أهمية الأردن في الذاكرة المسيحية لا تختصر في وجود آثار قديمة، بل تتمثل في اجتماع النص الكتابي والمكان والتقليد المسيحي والآثار والحج في جغرافيا واحدة. فمن المغطس حيث يرتبط نهر الأردن بذكرى معمودية المسيح، إلى جبل نيبو حيث تتوقف قصة موسى على مشارف الأرض الموعودة، وصولًا إلى مادبا التي حفظت في فسيفسائها صورة للأرض المقدسة، يقدم الأردن مشهدًا واضحًا لتداخل الجغرافيا مع الذاكرة الدينية المسيحية، ويبقى جزءًا حيًا من جغرافيا الأماكن المقدسة التي ما تزال تستقبل الحجاج والزائرين حتى اليوم.

المصدر: رؤيا

إعلان

التعليقات

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

التعليقات تخضع لمراجعة فريق التحرير قبل النشر.